أحمد بن محمد ابن عبد ربه الأندلسي
107
العقد الفريد
قد كتمت الهوى بمبلغ جهدي * ففشا منه بعض ما كنت أبدي وخلعت العذار فليعلم النا * س بأني إليك أصفي بودّي « 1 » من عذيري من مقلتيك ومن إش * راق وجه من حول حمرة خدّ فصادف رسوله رسولا لمحمد بن عبد الملك الزيات الوزير ، فرأى رقعة الحسن ، فاحتال لها حتى أخذها ، وأوصلها إلى محمد بن عبد الملك ، فلما قرأها كتب إلى كاتبه الحسن بن وهب : ليت شعري عن ليت شعرك هذا * أبهزل تقوله أم بجدّ ؟ فلئن كان ما تقول بجدّ * يا ابن وهب لقد تفتّيت بعدي « 2 » وتشبّهت بي وكنت أرى * أنّي أنا الهائم المتيّم وحدي لا أرى القصد في الأمور ، ولولا * غمرات الصبا لأبصرت قصدي سيّدي سيدي ، ومولاي من أل * بسني ذلّة وأخلف وعدي لا أحبّ الذي يلوم وإن كا * ن حريصا على صلاحي ورشدي وأحب الأخ المشارك في الحبّ * وإن لم يكن به مثل وجدي « 3 » كصديقي أبى عليّ وحاشا * لصديقي من مثل شقوة جدّي إنّ مولاي عبد عبدي ولولا * شؤم جدّي لكان مولاي عبدي فلما التقى ابن الزيات الوزير وكاتبه الحسن بن وهب في بيت الديوان ، تداعبا في ذلك ، وسأله ابن الزيات أن يتجافى له عنه ، فقال له الحسن : طاعتك واجبة في المحبوب والمكروه ، ولكن الرئيس أدام اللَّه عزه كان أولى بالفضل ! فقال له ابن الزيات : هيهات ، هذه علة نفسانية تؤدي إلى التلف ، فتنحّ عن نصيبك مني ! فقال الحسن : إن كان هذا هكذا سمعنا وأطعنا ، وأنشد : شهيدي على ما في فؤادي من الهوى * دموع تباري المستهلّ من القطر فأسلمني من كان بالأمس مسعدي * وصار الهوى عونا عليّ مع الدّهر
--> ( 1 ) خلع فلان عذاره : انهمك في الغي ولم يستح . ( 2 ) تفتيت : تصابيت . ( 3 ) الوجد : الشوق .